خليل الصفدي

325

أعيان العصر وأعوان النصر

أحمد بن محمد . سمع الحديث من ابن البخاري ، وزينب بنت مكي ، وعبد الواسع الأبهري ، وحدّث ، واشتغل وحصل ، وتفرّغ في المباشرات ، وتأصّل وبلغ المعالي ، وتوسّل بعقله إلى أن توصل ، وكتب في ديوان ، وكان مليح الكون ، صحيح اللون ، ذا نفس متضعة ، وهمّة لأفاويق السكون والاقتصاد مرتضعة ، علا إلى الثريا ، ثم هبط إلى الثرى ، وحصلت له مصادرة مشيت معها سعادته القهقري ، وكان قد أسره التتار ، وخلص منهم عند الفراغ بالفرار . ولم يزل على حاله ، إلى أن زاره أبو يحيى فجأه ، وعدم حواسه فلم يسمع له نبأه ، وتوفي - رحمه اللّه - فجأة بدمشق في بكرة السبت الخامس عشر من صفر سنة ست وثلاثين وسبعمائة . ومولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة . باشر كتابة الإنشاء مدة زمانية ، وكان قد أخذه التتار في نوبة قازان ، هو والقاضي بدر الدين محمد بن فضل اللّه ، وابن شقير ، وابن الأثير رهينة إلى بلاد أذربيجان ، وبقي عندهم معتقلا مدة وثم إنه تنكّر محتالا وهرب ، فنودي عليه ، فاختفى بتبريز شهرين ، وسمّى نفسه يوسف ، وتوصّل إلى البلاد في زي فقير ، ووصل إلى حلب فأكرمه نائبها ، وبعثه على خيل البريد إلى دمشق ، وسرّ به أهله ، وكان قدومه إلى دمشق في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة . وتولى نظر ديوان الأمير سيف الدين تنكز ، ونظر البيمارستان النوري مع توقيع الدست بدمشق في يوم الجمعة الثاني شهر من ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ، فلما توفي أخوه القاضي جمال الدين ، أخذ وظائفه مضافة إلى ما بيده ، وهي : نظر الظاهرية ودرسها ، وتدريس العصرونية ، ووكالة بيت المال ، وقضاء العسكر ، وتدريس الأمينية ، فأعطى لابن أخيه القاضي أمين الدين نظر الظاهرية ، وتدريس العصرونية ، وانفرد هو بالباقي . وقلت له يوما : يا مولانا أنت اليوم توقع عن اللّه تعالى ، وعن السلطان ، وعن ملك الأمراء ، وعن نور الدين الشهيد ، وعن الملك الظاهر ، فضحك وأعجبه ذلك . وكان هشا بشا ، لم يتغير عما يعرفه أصحابه ، ولا زاده هذا العلو إلا ضعة ، وكان أخيرا يراعي الإعراب في كلامه المسترسل ، ثم إن تنكز تنكر عليه وصادره ، وصادر رفاقه ، وأخذ منه جملة ولم يكن خانه ، وإنما دخل في شيء لم يكن يدريه ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، وأفرج عنه ، ولم يبق بيده بعد هذه الوظائف كلها إلا تدريس الأمينية والظاهرية .